في السنوات الأخيرة، زادت وتيرة النقاش العالمي حولالمقامرة المسؤولة، خاصة في الوجهات السياحية الكبرى التي تسعى إلى جذب الاستثمارات والزوار مع الحفاظ على تماسكها الاجتماعي. دبي، كواجهة عالمية للسياحة والأعمال، جزء من هذا الحوار، حتى وإن كانت المقامرة التقليدية ما زالتمقيدة للغايةفي الإطار القانوني الحالي في الدولة.
هذا المقال يقدمقراءة هادئة وواقعيةلوضع المقامرة المسؤولة في دبي اليوم، مع تسليط الضوء على التطورات على مستوى دولة الإمارات، والفوائد المحتملة من تبني نموذج قوي للمسؤولية، وما الذي يعنيه ذلك للمقيمين والزوار في الوقت الحالي.
أولاً: ما المقصود بالمقامرة المسؤولة؟
قبل الحديث عن دبي والإطار القانوني، من المهم فهم مفهومالمقامرة المسؤولةكما يُستخدم عالمياً. الفكرة الأساسية بسيطة:
- السماح بأنشطة المقامرة فقط في بيئةمنظمة وآمنة.
- التأكد من أن المشاركة تظلاختياراً ترفيهياًوليس وسيلة لحل مشاكل مالية.
- حمايةالأشخاص الأكثر عرضة للمخاطر، مثل من لديهم تاريخ مع الإدمان أو صعوبات نفسية.
- منع وصول القاصرين إلى أي خدمات مقامرة.
- توفير أدوات شفافة للتحكم في الإنفاق والوقت، مع إمكانيةالاستبعاد الذاتيأو طلب المساعدة عند الحاجة.
بمعنى آخر، المقامرة المسؤولة لا تعني تشجيع الناس على اللعب، بل تعني أنه في أي مكان يُسمح فيه بالمقامرة، يجب أن تُدار بشكل يحمي الأفراد والمجتمع ويحد من الأضرار.
ثانياً: الإطار القانوني الحالي للمقامرة في دبي والإمارات
لفهم وضع المقامرة المسؤولة في دبي، لا بد من العودة إلى الأساس القانوني على مستوى الإمارات:
- الشريعة الإسلاميةوالمبادئ القانونية في الدولة تنظر إلى القمار التقليدي على أنه ممنوع، وهذا ينعكس في القوانين الاتحادية.
- القوانين الجنائية في دولة الإمارات تجرّمأشكال المقامرة غير المصرح بها، سواء كانت على أرض الواقع أو عبر الإنترنت.
- لا توجد حالياًكازينوهات مفتوحة للجمهورفي دبي أو بقية الإمارات، بالمعنى المتعارف عليه عالمياً.
- توجد بعضالسحوبات واليانصيب والجوائز الترويجيةالتي تعمل ضمن أطر قانونية منظمة، وتخضع لرقابة الجهات المختصة، لكنها تختلف في طبيعتها وشروطها عن المقامرة التقليدية.
في عام 2023، أعلنت دولة الإمارات عن تأسيسهيئة اتحادية لتنظيم ألعاب تجارية معينة(General Commercial Gaming Regulatory Authority)، في خطوة تعكساتجاهاً نحو إنشاء إطار تنظيمي موحدلبعض أنواع الأنشطة ذات الصلة على مستوى الدولة. تفاصيل هذا الإطار، وآليات تطبيقه، ما زالت في طور التطور، ولم يُعلن بعد عن نموذج شامل مطبّق في دبي.
ثالثاً: لماذا يهم موضوع المقامرة المسؤولة في دبي الآن؟
دبي مدينة تقوم علىالسياحة، والفعاليات الكبرى، والاستثمار الأجنبي. ومع الحديث عالمياً عن مشاريع متكاملة للترفيه والضيافة قد تتضمن أشكالاً من الألعاب التجارية أو «المنتجعات المتكاملة» في بعض إمارات الدولة، يصبح السؤال حولكيفية حماية المجتمعأكثر أهمية من السؤال عن السماح أو المنع فقط.
حتى مع عدم وجود كازينوهات تقليدية في دبي اليوم، فإن:
- بعض المقيمين والزوار قد يشاركون في أنشطة مقامرةخارج الدولةأثناء سفرهم.
- العالم الرقمي يجعل الوصول إلى منصات خارجية أمراً سهلاً، رغم أنالمقامرة عبر الإنترنت مع جهات غير مرخصةتعتبر مخالفة للقانون المحلي.
- أي تطورات مستقبلية في الدولة ستتطلبوعي مسبقاًلدى الأفراد حول السلوك المسؤول والمخاطر المحتملة.
من هنا، يصبح الحديث عن المقامرة المسؤولةاستثماراً استباقياًفي سلامة المجتمع، وليس فقط استجابة لواقع قائم.
رابعاً: أين تقف دبي اليوم؟ «حالة المكان»
يمكن تلخيص وضع دبي الحالي في ثلاث نقاط أساسية:
- قوانين واضحة ضد المقامرة غير المنظمة
القانون في دبي، كجزء من المنظومة الاتحادية، لا يزالصارماًحيال أنشطة القمار التقليدي غير المرخص. أي أنشطة مقامرة خارج الأطر المحددة قانوناً (مثل السحوبات المرخصة أو الجوائز الترويجية) تعتبر مخالفة. - منظور حذر ومتدرج
حتى مع إنشاء هيئة اتحادية لتنظيم بعض أشكال الألعاب التجارية، تتعامل الإمارات عموماً، ودبي خصوصاً، مع الموضوع بطريقةمتدرجة وحذرةتأخذ في الاعتبار الجانب الديني والثقافي والاجتماعي، قبل الجانب الاقتصادي. - تركيز على الترفيه غير المرتبط بالمقامرة
دبي بنت سمعتها السياحية علىتجارب ترفيه متنوعةمثل التسوق، والتجارب العائلية، والفعاليات الرياضية والثقافية، والوجهات الترفيهية الكبرى، من دون الاعتماد على الكازينوهات كعنصر رئيسي في الجذب السياحي.
هذا لا يمنع أننقاشات متخصصةتدور اليوم على مستوى الدولة حول أفضل السبل لوضع قواعد تنظيمية في حال السماح ببعض الأنشطة مستقبلاً، بحيث تأتي المسؤولية في المركز الأول.
خامساً: الفوائد المحتملة من نموذج قوي للمقامرة المسؤولة
في حال قررت دولة الإمارات ودبي مستقبلاً توسيع نطاق بعض الأنشطة المرخصة، فإن تبني نموذج صارم للمقامرة المسؤولة يمكن أن يحقق مجموعة من الفوائد:
- حماية الأسرة والنسيج الاجتماعي
من خلال وضع حدود واضحة، وآليات استبعاد ذاتي، وأنظمة لمراقبة السلوكيات عالية الخطورة، يمكن تقليل حالات الإدمان وما يرتبط بها من ضغوط مالية وعائلية. - بناء ثقة دولية
وجهات السياحة الكبرى التي تبنت نماذج مسؤولة (مثل أنظمة التحقق من العمر، والشفافية في الاحتمالات) استطاعت أن تعزز سمعتها كوجهات آمنة ومُنظمة، ما يجذبشراكات واستثمارات نوعية. - استفادة اقتصادية أكثر توازناً
الإطار المسؤول يقلل من التكاليف الاجتماعية طويلة المدى (الرعاية الصحية، قضايا الديون، التأثير على الإنتاجية)، ما يجعل العائد الاقتصادي من أي نشاط تجاري في هذا المجال أكثراستدامة. - انسجام مع رؤية دبي المستقبلية
رؤية دبي تركز علىالاستدامة، وجودة الحياة، والابتكار. أي تنظيم مستقبلي للمجال إذا ارتبط بمبادئ المسؤولية سيعزز هذه الرؤية بدلاً من أن يتعارض معها.
سادساً: مكوّنات أي نظام مثالي للمقامرة المسؤولة في دبي
رغم أن النموذج التفصيلي لم يُعلن بعد، يمكن استخلاص بعض العناصر الأساسية التي تمثل أفضل الممارسات العالمية، والتي يمكن تكييفها مع خصوصية دبي والإمارات:
1. تشريعات واضحة ومتدرجة
- تعريف دقيق لما يُسمح به وما يُمنع، معنطاق واضح للأنشطةالمسموح بها (إن وُجدت).
- اشتراطترخيص صارملأي جهة تشغيل، وربط الرخصة بمعايير مسؤولية محددة.
- آليات رقابة وتفتيش فعّالة للتأكد من الالتزام، معجزاءات واضحةعلى المخالفات.
2. أدوات حماية اللاعبين
- إلزام المشغلين بتوفير خيارات لوضعحدود للإنفاقوحدود للوقت لكل عميل.
- تطبيقآليات الاستبعاد الذاتيعلى مستوى المنصة أو على مستوى الدولة، بحيث يستطيع الفرد أن يمنع نفسه من الدخول إلى أي منشأة أو خدمة مقامرة مرخصة لفترة يحددها.
- مراقبة أنماط اللعب لاكتشاف السلوكيات ذات المخاطر العالية، والتواصل مع العملاء لتقديمرسائل تنبيه ودعم.
3. حماية القاصرين والفئات الهشة
- نظام صارم للتحقق من العمر والهوية في أي خدمة أو منشأة.
- منع أي رسائل تسويقية تستهدفالقُصّر أو الفئات الضعيفة.
- التعاون مع الجهات الصحية والاجتماعية لتقديم برامج دعم وعلاج في حال ظهور مشكلات مرتبطة بالمقامرة.
4. دور المشغلين في المسؤولية الاجتماعية
- التزام الشركات التي تعمل في هذا المجال (إن وُجدت) بسياساتالمسؤولية الاجتماعية للشركات، بما في ذلك تمويل برامج التوعية والعلاج.
- تخصيص جزء من العوائد لدعممبادرات مجتمعيةفي مجالات التعليم والصحة والرفاه الاجتماعي.
5. التوعية والتعليم
- حملات تثقيفية توضح أن المقامرة (حيثما سُمح بها) يجب أن تُعامل على أنهاترفيه محدود، وليست وسيلة ربح مضمونة.
- مواد توعوية متعددة اللغات تستهدفالمقيمين والزوار، تراعي تنوع الجنسيات والثقافات في دبي.
- دمج موضوع المخاطر السلوكية والإدمان في برامج الصحة النفسية، لتسهيلطلب المساعدة مبكراً.
سابعاً: ماذا يعني ذلك للمقيمين والزوار في دبي اليوم؟
حتى مع النقاشات الحالية حول الأطر التنظيمية على مستوى الإمارات، هناك مجموعة من النقاط العملية التي تهم كل من يعيش أو يزور دبي الآن:
- معرفة القوانين المحلية
من الضروري إدراك أن المقامرة التقليدية غير المصرح بهامجرّمة، بما في ذلك استخدام منصات خارجية عبر الإنترنت من داخل الدولة. - الحذر من العروض غير المرخّصة
أي جهة أو فرد يعرض أنشطة مقامرة نقدية خارج الأطر المعروفة (مثل سحوبات مرخّصة أو عروض ترويجية رسمية) يجب التعامل معه بحذر شديد، لما ينطوي عليه الأمر منمخاطر قانونية ومالية. - تبني عقلية «المسؤولية الشخصية»
حتى عند السفر إلى دول أخرى حيث المقامرة متاحة، يبقى من المهم التعامل معها على أنهاترفيه محدود بمحفظة محددة، وعدم ربطها بتوقعات ربح أو تعويض خسائر. - طلب المساعدة عند الحاجة
إذا لاحظ الفرد على نفسه أو من حوله سلوكيات اندفاعية تجاه المقامرة خارج الدولة، يمكن اللجوء إلىمختصين في الصحة النفسية أو الإرشاد الأسريلطلب الدعم مبكراً.
ثامناً: كيف يمكن لدبي أن تصبح نموذجاً عالمياً في المقامرة المسؤولة؟
في حال قررت دبي مستقبلاً السماح ببعض الأنشطة ذات الصلة في إطار منظم، فإنها تمتلك مجموعة من نقاط القوة التي تؤهلها لتبنينموذج رائد عالمياًفي المسؤولية:
- بنية تحتية رقمية متقدمة
تسمح بتطبيق حلول تقنية ذكية لمراقبة السلوك، والتحقق من الهوية، وإدارة حدود الإنفاق، وربط البيانات بين الجهات المعنية مع احترام الخصوصية. - إطار تنظيمي مرن
دبي أثبتت قدرتها علىتطوير تشريعات مبتكرةفي مجالات مثل التكنولوجيا المالية، والمناطق الحرة، والاقتصاد الرقمي؛ ما يتيح لها تصميم نموذج خاص يتلاءم مع قيمها. - تنوع سكاني وثقافي
هذا التنوع يوفر مختبراً حقيقياً لتطوير مواد توعوية وسياسات شاملة يمكن أن تُستخدم كنموذج لدول أخرى ذات مجتمعات متعددة الجنسيات. - تركيز على جودة الحياة
أجندة دبي طويلة المدى تضع رفاهية السكان في المقدمة، ما يخلق بيئة سياسية ومجتمعية مواتية لتبنيمعايير عالية للحمايةإذا تم فتح المجال لأنشطة جديدة.
تاسعاً: توازن دقيق بين الفرص والقيم
المقامرة المسؤولة في سياق دبي والإمارات ليست مجرد مسألة اقتصادية؛ بل هينقاش حول التوازنبين:
- جذب الاستثمارات والسياحة عالية الإنفاق،
- والحفاظ على الهوية الثقافية والدينية،
- وحماية الأفراد والأسر من المخاطر السلوكية والمالية.
هذا التوازن يتطلب حواراً مستمراً بينصنّاع القرار، والجهات التنظيمية، والخبراء في الصحة النفسية والاجتماعية، والقطاع الخاص، وأفراد المجتمعأنفسهم.
خاتمة: المقامرة المسؤولة كأداة لحماية المستقبل
اليوم، لا تزال دبي مدينة ترفيه عالميةلا تعتمد على الكازينوهاتفي نموذجها السياحي. ومع ذلك، فإن الحوارات والتطورات على مستوى دولة الإمارات تشير إلى أن موضوع المقامرة المسؤولة سيبقى على جدول الأعمال في السنوات القادمة، سواء تم توسيع نطاق الأنشطة المسموح بها أم لا.
النقطة الجوهرية أنالاستعداد المسبق—من خلال بناء ثقافة ووعي بالمخاطر، ووضع أطر تنظيمية صارمة إذا لزم الأمر—هو أفضل طريقة لضمان أن تبقى أي أنشطة مستقبليةمنضبطة، ومحدودة، وتحت السيطرة، بحيث تستفيد منها الاقتصاديات المحلية دون أن يدفع الأفراد والأسر الثمن.
بهذا المعنى، يصبح الحديث عن «المقامرة المسؤولة» في دبي اليوماستثماراً استراتيجياً في جودة الحياةوحماية المجتمع، أكثر من كونه نقاشاً حول السماح والمنع فقط.